الشيخ الطبرسي
428
تفسير مجمع البيان
المعنى : ثم بين سبحانه أن مساهلة النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " إياهم ، ومجاوزته عنهم من رحمته تعالى ، حيث جعله لين العطف ، حسن الخلق ( 1 ) : ( فبما رحمة ) أي : فبرحمة ( من الله لنت لهم ) معناه : إن لينك لهم مما يوجب دخولهم في الدين ، لأنك تأتيهم مع سماحة أخلاقك ، وكرم سجيتك ، بالحجج والبراهين ( ولو كنت ) يا محمد ( فظا ) أي : جافيا سئ الخلق . ( غليظ القلب ) أي : قاسي الفؤاد ، غير ذي رحمة ولا رأفة ( لانفضوا من حولك ) أي : لتفرق أصحابك عنك ، ونفروا منك . وقيل : إنما جمع بين الفظاظة والغلظة ، وإن كانتا متقاربتين ، لأن الفظاظة في الكلام ، فنفى الجفاء عن لسانه ، والقسوة عن قلبه . ( فاعف عنهم ) ما بينك وبينهم ( واستغفر لهم ) ما بينهم وبيني . وقيل : معناه فاعف عنهم فرارهم من أحد ، واستغفر لهم من ذلك الذنب ( وشاورهم في الأمر ) أي : استخرج آراءهم ، واعلم ما عندهم . واختلفوا في فائدة مشاورته إياهم مع استغنائه بالوحي عن تعرف صواب الرأي من العباد على أقوال أحدها : إن ذلك على وجه التطييب لنفوسهم ، والتألف لهم ، والرفع من أقدارهم ، ليبين أنهم ممن يوثق بأقوالهم ، ويرجع إلى آرائهم ، عن قتادة والربيع وابن إسحاق وثانيها : إن ذلك لتقتدي به أمته في المشاورة ، ولم يروها نقيصة ، كما مدحوا بأن أمرهم شورى بينهم ، عن سفيان بن عيينة . وثالثها : إن ذلك ليمتحنهم بالمشاورة ، ليتميز الناصح من الغاش . وخامسها : إن ذلك في أمور الدنيا ، ومكائد الحرب ، ولقاء العدو . وفي مثل ذلك يجوز أن يستعين بآرائهم ، عن أبي علي الجبائي . ( فإذا عزمت ) أي : فإذا عقدت قلبك على الفعل وإمضائه . ورووا عن جعفر بن محمد ، وعن جابر بن يزيد : ( فإذا عزمت ) بالضم . فعلى هذا يكون معناه : فإذا عزمت لك ووفقتك وأرشدتك ( فتوكل على الله ) أي : فاعتمد على الله ، وثق به ، وفوض أمرك إليه ( إن الله يحب المتوكلين ) يعني الواثقين به ، والمعتمدين عليه ، والمنقطعين إليه ، الواكلين أمرهم إلى لطفه وتدبيره . وفي هذه الآية دلالة على اختصاص نبينا بمكارم الأخلاق ، ومحاسن الأفعال ، ومن عجيب أمره " صلى الله عليه وآله وسلم " أنه كان
--> ( 1 ) [ فقال ] .